الذهبي
661
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
ونفعه العامّ وتواضعه وخيره ولُطفه وجُوده . قرأت بخطّ الشّيْخ قُطْب الدّين قَالَ : انتفع بِهِ جمّ غفير ومُعظم فقهاء دمشق وما حولها وقُضاة الأطراف تلامذته . وكان رحمه اللَّه عنده من الكَرَم المُفْرط وحُسن العشرة وكثْره الصّبر والاحتمال . وعدم الرغبة فِي التكثُّر من الدّنيا والقناعة والإيثار والمبالغة فِي اللُّطف ولين الكلمة والأدب ما لا مزيد عَلَيْهِ ، مَعَ الدّين المتين وملازمة قيام اللّيل والورع وشرف النّفس وحُسْن الخُلُق والتّواضع والعقيدة الحسنة فِي الفقراء والصُّلحاء وزيارتهم . وله تصانيف مفيدة تدلّ عَلَى محلّه من العلم وتبحّره فِيهِ . وكانت لَهُ يد فِي النَّظم والنَّثر . قلت : تفقّه فِي صغره عَلَى الشّيْخ عزّ الدّين ابن عَبْد السلام والشيخ تقيّ الدّين ابن الصّلاح . وبرع في المذهب وهو شاب وجلس للإشغال وله بضعٌ وعشرون . ودرّس فِي سنة ثمانٍ وأربعين . وكتب فِي الفتاوى وقد كمّل ثلاثين سنة . ولما قدم النواويٌ من بلده أحضروه ليشتغل عَلَيْهِ ، فحمل همّه وبعث به إلى مدرس الرواحية ، ليصبح لَهُ بها بيت ويرتفق بمعلومها . ولم يزل يُشغِل من ذَلِكَ الوقت إلى أن مات . وكانت الفتاوى تأتيه من الأقطار . وكان إذا سافر إلى زيارة بيت المقدس يتنافس أهل البّر فِي التّرامي عَلَيْهِ , وإقامة الضيافات لَهُ . وكان أكبر من النواوي ، رحمهما اللَّه ، بسبع سنين . وكان أفقه نفسًا وأذكى قريحة وأقوى مناظرة من الشّيْخ محيي الدّين بكثير ، لكنْ كَانَ محيي الدّين أنقل للمذهب وأكثر محفوظًا منه . وهؤلاء الأئمّة اليوم هُمْ خواصّ تلامذته : ابنه وقاضي القضاة والشيخ كمال الدّين ابن الزَّملكانيّ وكمال الدّين الشهبيّ وزكيّ الدين زكريا وكان قليل المعلوم ، كثير البركة ، مَعَ الكَرَم والإيثار والمروءة والتّجمّل . كان مدرس الباذرائية وُلّي تدريسها فِي سنة سبعٍ وسبعين ولم يكن بيده سواها إلّا ما لَهُ عَلَى المصالح . وكذلك ولده ، أمتعنا اللَّه ببقائه . وتجد غيره لَهُ عدّة مناصب وعليه ألوفٌ كثيرة من الدَّين . هذا وأين ما بين الرجلين من العِلم والدين . قال رحمه الله ورضي عنه في سنة ثمانٍ وخمسين حين انجفل الناس :